بوابة المستهلك والجودة - الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة

 الجودة والاستدامة الوطنية


عدد الزيارات: 941 - 2016-07-09 م :: 4-10-1437 هـ - 0

 د. حسين بن رَده القرشي - عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للجودة - خبير الجودة والتميز المؤسسي

تطورت الجودة من مفهومها التقليدي في الخمسينيات، القائم على فحص نوعية المنتجات ومطابقتها للمواصفات عند نهاية خطوط الإنتاج، إلى ثقافة شاملة وجامعة تعتمد على بناء قيم الإنسان المتوافقة مع المبادئ والأسس الفطرية الإسلامية، لتجعله يمارس الإتقان والإحسان في كل نواحي حياته، وخاصة في أدائه لعمله ليحقق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"( أخرجه أبو يعلى والطبراني، وصححه الألباني).

فالعمل يشمل كل نشاط سواء كان متعلقاً بمنتج أو خدمة أو سلوك مع أي طرف من محيطه القريب أو مجتمعه، داخل أو خارج المنظمة، في حياته الخاصة أو العامة.

والإتقان يعني أن يؤدي العمل بأفضل ما يمكن وأن يحسنه ويطوره باستمرار ليصل إلى أن يكون قدوة متميزة، وهذا هدف متحرك يجعل الإنسان في تنافس مستمر مع ذاته، ومع غيره ليحقق هذا التميز، ومن ثم يحدث الأثر المنشود في حياته ومجتمعه وأمته.  

الجودة تربية وثقافة تبدأ من الفرد لتبني فيه الثقة بنفسه ومن ثم يستطيع أن يثق بمن حوله ويثق به من حوله، ومن ثم يمارس التمكين ويُمَكن له وإلا فإن فاقد الشيء لا يعطيه.

ومن هذا المنطلق فيتعين علينا أن نسعى في جعل الجودة جزءًا من التربية والتعليم من بداياته حتى نتمكن من بناء ثقافة تعكس سلوكاً دائماً، ونستطيع أن نحفز المجتمع لمحاربة السيئ من المنتجات والخدمات والسلوكيات، ومن ثم نتخلص من الغش في المنتجات والخدمات، حتى  ترتفع الإنتاجية وتعلو الربحية، وتتحقق الاستدامة، ونتمكن من منافسة العالم، وتحقيق مركزنا المرموق نحو العالمية والريادة، وليس فقط لتحقيق هذه النتائج بل لأن الجودة والإتقان قيم أصيلة بالنسبة لنا كمسلمين وهي من صلب تعاليم ديننا وثقافتنا وتراثنا لتحقيق قوله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين)(سورة الأنعام-17).

وهناك الكثير من النصوص الشرعية في القرآن والسنة الدالة والمحفزة على ذلك ومنها على سبيل المثال الإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، والإتقان الذي قامت السماوات والأرض (صنع الله الذي أتقن كل شيء) وذلك في قوله تعالى : (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) (سورة النمل -88).

وكما أن للجودة انعكاسات سلوكية على أداء الأفراد فإن أثرها ينعكس على تحسن العمليات والإجراءات لتصبح سريعة ودقيقة وفاعلة وتساعد على التخلص من الهدر وترشيد الإنفاق ورفع درجة الكفاءة الداخلية، التي تؤدي إلى إسعاد العاملين بالإنجاز والمتعاملين بجودة المنتجات والخدمات، ولا يقف أثر الجودة عند هذا الحد بل يساهم في رفع مستوى الإيجابية وسعادة ورفاهية المجتمع حيث تقل الشكاوى وتنخفض مستويات التظلم والتذمر الاجتماعي من الأجهزة العامة والمؤسسات الخاصة، لينعم الإنسان بالسعادة، وتنعم البلاد بالأمن والرخاء والتنمية.

وكما أن الإنسان هو محور التنمية فتغيير التصورات يؤدي إلى تغيير السلوكيات ومن ثم يتحسن الأداء، وتتطور النتائج ويتحقق الرضا لكافة شرائح المستفيدين داخل وخارج المنظمات.

ولتغيير التصورات يتعين علينا تغيير الثقافة من خلال التربية والتعليم والتحفيز، فالإنسان بطبعه تواق للشكر والتقدير والإطراء سواءً مادياً أو معنوياً، وهذا ما يجب على قادة ومسئولي المنظمات القيام به والتركيز عليه لتحقيق الجودة، فتحسين أوضاع العاملين يؤدي بلا شك إلى تحسين مخرجاتهم ومن ثم إسعاد متلقي الخدمة والعكس صحيح، فالتدريب والتعليم والتحفيز محرك أساسي لبناء هذه الثقافة في الأفراد، لتتحقق في المنظمات، ومن ثم في المجتمع بأكمله.

كما ينبغي على القيادات والمسئولين تبني نموذج القدوة والمشاركة والتمكين للعاملين، إذ لا تكفي الأقوال ولكن العبرة بالأفعال والناس قد يصدقون ما يسمعون، ولكن التصديق الحقيقي يكون بالأفعال، وإن لم تتطابق الأقوال الأفعال فكبر مقتاً عند الله أن نقول ما لا نفعل.

إذًا الجودة سهلة ممتنعة تبدأ من الفرد وتتسارع في المنظمات لتحقق الرفاهية الاجتماعية والرضا والاستدامة الحقيقية، ومن خلال الأنظمة المجودة سواء في إدارتنا للناس أو في التجارة أو الصناعة، أو في تقديم الخدمات في القطاعات العاملة أو الخاصة، وما لم نحقق جودة الفرد فلن تتحقق جودة المنظمات، ومن ثم لن تتحقق جودة المنتجات أو الخدمات.


إضافة تعليق على المقال
اكتب كلمة consumer في الحقل التالي للتحقق البشري

التعليقات على المقال (0)


Scroll